الغزالي

517

إحياء علوم الدين

والنّهى عن المنكر حرموا بركة الوحي « قال الفضيل : يعنى حرموا فهم القرءان . وقد شرط الله عز وجل الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى * ( تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ « 1 » ) * وقال عز وجل * ( وما يَتَذَكَّرُ إِلَّا من يُنِيبُ « 2 » ) * وقال تعالى * ( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ « 3 » ) * فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب ، ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب ، ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب رابعها : أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرءان إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما ، وإن ما وراء ذلك تفسير بالرأي ، وأن من فسر القرءان برأيه فقد تبوأ مقعده من النار ، فهذا أيضا من الحجب العظيمة . وسنبين معنى التفسير بالرأي في الباب الرابع وأن ذلك لا يناقض قول على رضي الله عنه : إلا أن يؤتى الله عبدا فهما في القرآن ، وأنه لو كان المعنى هو الظاهر المنقول لما اختلفت الناس فيه السابع : التخصيص ، وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرءان ، فان سمع أمرا أو نهيا قدّر أنه المنهي والمأمور ، وإن سمع وعدا أو وعيدا فكمثل ذلك ، وإن سمع قصص الأوّلين والأنبياء علم أن السمر غير مقصود ، وإنما المقصود ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه ، فما من قصة في القرءان إلا وسياقها لفائدة في حق النبي صلَّى الله عليه وسلم وأمته ولذلك قال تعالى * ( ما نُثَبِّتُ به فُؤادَكَ « 4 » ) * فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما يقصه عليه من أحوال الأنبياء ، وصبرهم على الإيذاء ، وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى ، وكيف لا يقدر هذا والقرءان ما أنزل على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لرسول الله خاصة ، بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين ، ولذلك أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى : * ( واذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ وما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ من الْكِتابِ والْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ به « 5 » ) * وقال عز وجل * ( لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيه ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ « 6 » ) * * ( وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ « 7 » ) * * ( كَذلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ « 8 » ) * * ( واتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من رَبِّكُمْ « 9 » ) * * ( هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وهُدىً ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ « 10 » ) * * ( هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وهُدىً ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ « 11 » ) * وإذا قصد بالخطاب جميع الناس فقد قصد الآحاد ، فهذا القارئ

--> « 1 » ق : 8 « 2 » غافر : 13 « 3 » الرعد : 19 « 4 » هود : 120 « 5 » البقرة : 231 « 6 » الأنبياء : 10 « 7 » النحل : 44 « 8 » محمد : 3 « 9 » الزمر : 55 « 10 » الجاثية : 20 « 11 » آل عمران : 138